
تجاوز عمره الثمانين ، بل أقـل ، ازداد قلبه بثمانين ربيعا ، وانهمر على حقله ثمانين شتاء وخريفاً ،
فارتوت تربته وخرجت مواسمه مليئة بالخير والعطاء .
أب رؤوف حنون ، به من لطف المعشر ما يفوق جمال نسمات أيلول المنعشة
ناجح في حياته ، وأكبر نجاحاته ، مراتب عالية استحقها في قلوب الناس ..
ارتقاؤه الشعوري عوّدَه أن يقطف وردتين أو ثلاثة قبل دخوله على أهل بيته ، يضع أحداها في غرفة
المعيشة ، والثانية يضعها في مزهرية على مكتب " حبة قلبه " الوحيدة .
في يوم من أيام الصيف الحارة ، عادت " حبة قلبه " إلى البيت ودخلت غرفتها ، فوجدت وردتين
جميلتين على مكتبها
فامتلأت نفسها راحة وسكوناً .
سمعت والدها يقترب من باب غرفتها .. استدارت قائلة :
- والدي.. ما أجمل هاتين الوردتين ..
أجابها بنبرة حانية فاقت عطر الورود طيبا:
- إني أراهما ثلاثة وردات !!
فردت:
- وأنا أرى أمامي الحديقة الرائعة ، التي حوت كل الورود.!
(أحبك والدي علمتني لغة حروفها أوراق الورد ومدادها قطرات الندى)
هذه اللغة ، وبتعبير أعم ، هذه الثقافة ، ثقافة الزهور ، هي ثقافة غائبة عن أذهاننا ، بعيدة عن حياتنا
رغم بساطتها وسهولة فهمها .
هي لغة لا تحتاج لأستاذ ولا لترجمان ، إنها تتكلم ببراعة ، وتعبّر بطريقة تتميز بأناقة متناهية وذوق
رفيع .
إن تبادل الزهور ، يُحدث قفزات نوعية في النفوس والعلاقات الاجتماعية وتبدلات جذرية في الانطباعات
والأفكار.
فالوردة فاتنة بشكلها وبعبقها .. ولا يمكن أن ينافسها في الجمال ، إلا الكلمة الطيبة ، والتصرف الحسن
، فقد تكون كلماتنا أحلى من الزهور بمعانيها ، وأعطر منها برقتها ولطفها .. وبصفاء مقاصدها .
أعتقد أن جميعنا يحب أن يكتسب هذه اللغة الوردية ، ويتقن جميع قواعدها ، والأمر سهل بسيط غير
مكلف ، فما علينا إلا أن ندخل
معاهد الحياة ، ونتزود بقليل من الورود والابتسامات ، وبكثير من المحبة والتصرفات الصالحة .
يقول الدكتور عمر عبد الكافي :
" باحث إنكليزي بين أن المرأة تحتاج إلى خمس مجاملات في اليوم "
خمس مجاملات أو قل خمسة وردات متنوعة اللون والعطر ، من كلمة شكر ، أو لمسة حانية او تأييد
طيب ، أو ربما كانت هدية رمزية ..
وكذا الرجل يرى أنه يحتاج إلى بعض المجاملات الصادقة من مدح وتأييد ، أو زرع ثقة ، أو ربما زهرة
تعبر عن الحب وعن دفء القلوب..
فإن أردت أن يكون يومك سعيد فاسعد غيرك وإن أردت أن يكون قلبك مُنَعَماً فعانق الآخرين بكلمات
رحيمة وبحسن التصرفات ، ولا مانع أن تدعم موقفك بوردة حلوة .
