عندما عدت الى كليتى
التى تخرجت
منها او فيها
وجدتهم قد وضعوا لها ابوابا حديديه
قلت لها(تستاهلى)
لأنك تركتينى اذهب الى العالم الكبير
وتبنيتى ابناء آخرين
ووقفت اول يوم دخلت فيه هذه الكليه
كان يوما حارا جدا
وصاخبا جدا
ومزدحما جدا
وانا كجمل أبق وسط طريق سريع
لا أدرى اين أذهب ولا لمن
وموضوع ان اسأل الآخرين بدا هو الاخر
غير مناسب
فلجأت الى مكان منزو عن الناس
وبدأت فى التدخين بشراهتى المعتاده
حتى هنا تكشّف لى ان الامر
يمكن التغلب عليه
بقليل من المولتو المشفوع بشاى ثقيل
حتى لاأطيل
فقد عرفت القسم الذى توزعت اليه
ولحكمه يعلمها الله الذى لم يخذلنى ابدا
ذهبت الى القسم الذى انوى التسجيل فيه
ما زاد من تعلقى بالمكان
هو احساسى اننى لا خيار لى
وهذا يدفعنى دائما للضحك
لأننى ما طالبت يوما باراده او ما شابه
لقد كنت دائما اتمنى ان أمشى
مغمض العينين فى الشارع
او ان استسلم لقدماى فتقودانى
لجهه تفاجئنى كل مره
فلقد عملت طويلا على قتل ارادتى
التى لطالما اجّجت الاحقاد ضدى
ان الاراده هى ميل طبيعى للشجار مع الآخرين
ومقابله النزاعات الرحيمه
بالكوارث حديثه الولاده
ساصدقكم القول
ان موت ارادتى حقق لى ما لم اكن اتخيل
على الرغم
من اننى ابدو معتزا بنفسى بحماقه
وتكوين رأسى من الخلف
صنع لى من الاعداء ما لا يعد على اصابع اليدين
ان سكين الاراده
كثيرا ما مزقت المفاجآت الساره
وجعلتنى ادمن عضّ اصابعى من الندم
**
"انت يابنى حتفضل انقيادى كده لحد امتى"
فأقول:دعى ارادتى نائمه
لأنها لا تعرف ان موت ارادتى هو السبب
فى اننى تعرفت عليها
تركت نقدها يذهب للأذن التى من عجين"
*******************
وإليكم القصه من بدايتها
*******************
عندما دخلت السيكشن لأول مره
بعد مرور شهر ونصف الشهر
على مرور الدراسه
وكنت متأخرا عن المحاضره لأكثر من نصف ساعه
وكان عدد الحضور لا يتجاوز الخمسة عشر
كل هذه الأسباب تآمرت على جعلى محط انظار الجميع
فمنهن من قلّبت شفتيها امتعاضا
ومنهم من همس فى اذن صديقته
ومنهن من لم تستطع السيطره
على ضحكه مكتومه فخرجت دفعه واحده
ومنهم من رمقنى بنظره الـ"من فوق لتحت"
ومنهن من التفت الىّ
وهزت رأسها محييه فى رقه
تعززها ابتسامه للأبد لن انساها
وبعد ساعه انتهى القسم الاول من المحاضره
وخرجنا لـ"بريك"نصف ساعه
جائنى فيها بعضهم ليعرفنى بنفسه
ويعرض على ما فاتنى من محاضرات
وانتهى اليوم الاول الذى حسبت له الف حساب
بافضل مما كنت احلم
فقد كان كل زملائى ينقسمون الى نوعين من الناس
نوع تعرف إلىّ وقامت بيننا علاقه جيده
وقسم لم يعتبرنى موجودا فوفّر وقتى وجهده
وفى احد الايام
عزمنى اثنان من اصدقائى على الافطار
فلم أرفض
وفى طريقنا للمكان الذى سنفطر فيه
اكتشفت انها بصبتهما تنتظر فى الدور الارضى
لتذهب معنا
وفى الحقيقه لم يسبق لى الكلام معها
رغم انها اثارت اهتمامى بلامبالاتها
وعدم تكلفها حتى فى جلستها
لكننى احقاقا للحق
أجبن من ان اذهب لفتاه
لأخبرها برأيى فيها او حتى تحيتها
وفى المرات القليله التى فعلت ذلك
ما زلت اندم حتى اليوم
بعد ان انتهينا من الافطار
بدأنا فى التعارف والكلام
او ان شئتم فقولوا الاستجواب الاول
اسمك
سنك
بلدك
ابوك
امك
اهتماماتك
مرتبط
منفصل
اخوانك كم واحد
كبار
صغار
وبعد ان اجبت عن كل هذه الاسئله
باستفاضه فى التفاصيل
ونجحت فى المقابله
بدأ الكلام الجميل
بتحب مين من المطربين
بتحب الشعر
فاستغليت انها حصلت على الثانويه العامه
من احدى دول الخليج
"وانا من هناك اصلا"
فاوسعت فى ذكر المطربين العرب المفضلين
فرغم افتقارى للاراده فانا لا افتقر المكر
فبدأت بناظم الغزالى
محمد عبده
طلال مداح
خالد الشيخ
فؤاد غازى
طونى حدتشيتى
وانتهيت
بفيروز وماجده الرومى
وعائله بندلى
"عنّا جار ليل نهار مشرّع غليونه غليونه
هو كبير وقلبه كبير وعقلاته نونو يانونو"
ونسينا الكليه والمحاضرات والعالم
وانخرطنا فى الشعر والفن والشكوى
كأننا نعرف بعضنا منذ الأزل
وانتهى اليوم كما تنتهى كل الاشياء الجميله
مخلّفا وراءه موعد باللقاء فى الغد
الغد البعييييييييييد جدا جدا
المهم بعد حاله من السهد وخيبه الامل الثقيله
جاء الغد
والتقينا على"بسطة السلم"..!!!
فى الدور الذى فيه القسم الذى ننتمى اليه
وأخذتنى الى البوفيه وعرفتنى على الداده
"لكم كرهت هذه الكلمه"
تلك السيده التى كانت تحبنى
وتحب من أحبنى
ولا تنادينى الا باسم الدلع
واستمر الحال على هذا المنوال لسنوات طوال
حدّثتنى فيها عن كل شىء
حياتها
قلقها
عرفتنى على اخيها اخواتها
يالها من فتاه
كانت تفهم كل اشيائى كما اريد
كان يكفى ان تبتسم من موقف
لتكمل هى الباقى
لم تتذمر يوما من تصرف تصرفته
ولم تلفت نظرى الى قله ذوقى
ولو لمره واحده منذ عرفتها
"ذات يوم"
كنا جالسين على الارض
كانت تغنى"نسم علينا الهوى"
وكن اغنى
"يا عيون الكون غضّى بالنظر
اتركينا اثنين عين تحكى لعين"
وفجأه جائتها فتاه شابه
وانهالت عليها توبيخا
لانها كانت تجلس على الارض
وهذا لا يليق برأيها ببنت محترمه
وعندما سألتها عن ماهيتها
قالت انها من"الإستاف"
وظلت ترغى وتزبد وتهدد وتتوعد
واكتشفت بعد ذلك عن طريق الداده
"خالتى كما اناديها"
انها معيده فى قسم اللغه الانجليزيه
وكلما قابلتها فى ممر من الممرات بعد ذلك
تحاشت النظر إلىّ او ذهبت فى اتجاه جانبى
مع ان الجلوس فى الارض لم تكن بدعه ابتدعناها
فى كليتنا
إلا اننا فوجئنا بسعادة العيده
تبدأ بالتغيير بنا
فكان تفسيرى الاول ان المعيدات
اصحاب شخصيات تنافسيه غيوره
لا تقبل الا ان تكون هى فقط
ومن بعدها الطوفان
فراق هذا التفسير لها
واصبحت تنعتها
بـ"بتاعة الإستاف"فاكرها؟
فاقول نعم اذكرها
"فى يوم من الايام"
جائنى احد اصدقائى من كليه التجاره
المقابله لكليتنا
فأخذته هو وهى وصديق رابع
وذهبنا لجوله فى القاهره القديمه
كنت انوى شراء بعض الكتب
من مكتبه الحلبى فى درب الاتراك بالازهر
فتحول ذلك اليوم الى ذكرى لا تنسى
لم تكف هى عن السخريه من صديقى
الذى لم يركب مترو فى حياته
واراد ان يذهب من ميدان العتبه بالتاكسى
الى مصر الجديده
ونزلت بنا الى المترو فى العتبه
واشترت له تذكره وقالت له
فى اى محطه ينزل سيجد الـ"سى تى اى"
سيوصله الى البيت
"ايه العيال الخايبه دى"؟!!!
كان كلما رأيت صديقى ذكرنى به
لانه كان يوم الفالانتاين
واشتريت من بائع الورد ورده حمراء
اهديتها لها كالمعتاد فى مثل هذه المناسبه
كانت ورده على سبيل المزاح
لكنها لم تكن مزاحا بالنسبه لى
فى آخر يوم فى امتحان الليسانس
جلسنا على احد الارصفه
تحت اشجار البنسيانا
واخذنا فى النظر لبعضنا البعض
رغم الزحام الشديد حولنا
كنت احس اننى بمفردى فى هذا العالم
فى مواجهه كائن خرافى اراه لاول مره
فانتابنى خوف شديد من كل كلمه تخرج من فمى
هل ستهدم ما بنيناه فى سنوات"اقصد الكلمات"
التى قلتها
ام سنرمم عيوب سنوات مضت
وكان خوفى الاكبر من نقطه التحول
من صديق الى شىء آخر يعلمه الله
فدائما كنت المح فى عينيها سؤال
"لماذا كل البنات الا انا"؟!!
ونفس السؤال كان يدور بداخلى
"لماذا كل الشبان الا انا"؟!!
مع علمى ان التحول من علاقه
الى نوع آخر من العلاقات
يقتل النوع القديم
وربما لا يحيى النوع الجديد
لكن هاجسا كان يؤرقنى
وهو ما عبّر عنه صديقى الشاعر
"مات دون ان يعلم انى أحبه
فهل اموت انا الاخر دون ان اعرف ان هناك احدا يحبنى"
هذه الكلمات التى حقنتنى بهوس
ان افضى لمن احبهم بحبى
واصمت عمّن لا احبهم
وكانت المفاجأه عظيمه عقدت لسانها
وتركتها فى صمت محكم الاغلاق
"أنا"؟وتنهدت
عاتبه على الارض التى لم تنشق وتبتلعها
كان بوسعى ان اخفف من هول هذه الصدمه
بأن اخبرها بما فى داخلى
وادير لها ظهرى واتركها تفكر على مهل
لكننى كنت اضعف من ان اغادر
كنت اناشد الوقت فى سرى ان يتمهل
واخيرا
تركنا مكاننا وذهبنا لمحطه المترو صامتين تماما
ومنكّسى الرؤوس
وركبنا وبعد محطتين نزلت مكتفيا
بوداع مقتضب بيدى اليسرى دون كلمه واحده
وذهبت الى شقه صديقى جمعت حاجياتى
وتركت رساله مقتضبه
تحمل فى طياتها شكرا واعتذارا
لاننى وعدته ان ابقى ليومين ولم افعل
ذهبت الى شقتى ومكثت ثلاثه ايام
تجتاحنى مشاعر متباينه
من الارتياح والندم والغضب والرضى
وفى اليوم الثالث اتصلت بى
قائله:بجد
قلت:نعم
قالت:بس
ودار حديث سطحى لاول مره بيننا
وبعد شهر اختفت فى ظرزف غامضه
وانا سافرت
كل ذلك لم يشفع لى عند الندم كى يتوقف
ويترك يدى بلا حنين
فدائما اتذكر
مقطعا كتبه الشاعر الانجليزى"ايان هاملتون"
يقول
(لو اننى لامستك ساعتئذ لاستطاع احدنا
ان يبقى على قيد الحياه)
*********
تحياتى