لا اذكر كم مر من السنين
دون ان ادخل دار السينما القريبه
من منزلى
عشر اعوام مضت منذ توقفت عن العرض نهائيا
وتهدّمت جدرانها
صارت كئيبه موحشه
لا تعمرها الا القطط والجرذان
كانت قبله طفولتى ومحور احلامى
اخطط للذهاب اليها طيله اسبوع كامل
فى ليله الخميس ترفرف اعلام الفرح
وتبدأ الطقوس المعتاده
ارتداء البنطلون القصير على عجل
شراء سندويتشات السجق من المحل المقابل
اصابع(العسليه)الملفوفه فى سوليفان اصفر
وأكياس اللب والسودانى تم شراؤها بالامس
ثمن دخولها كان زهيدا ككل الاشياء آنذاك
ادخر من مصروف اليوم من اجل لحظات كتلك
أندفع مع الصغار من أبناء الحى
من تحت ذراع العامل العجوز
ذى الشارب الاشيب
نتشاجر..نتخاصم..نتضارب..نتصالح
وحينما تبدأ الموسيقى المعتاده
وتطفأ الانوار
يسود الصمت وتنفرج الشفاه ويبدأ الحلم
طيلة السنين لم افكر فى الدخول
للسينما المهجوره قط
أتحسر؟....نعم
أتنهد؟....بالتأكيد
تدهمنى الذكريات
لكن لم يخطر ببالى أغامر بالدخول
وسط الجرذان واكداس الذكريات
لأستعيد ايامى السعيده
فما الذى تغير فى هذا المساء
لا اعرف الكيمياء المجهوله
التى ألهبتنى فجأه بالحنين
تلفتّ يمينا ويسارا
ثم دفعت الباب المعدنى الصدىء ذى الصرير
فى حذر تسللت الى الدار المهجوره
محاذرا الجرذان واكوام القمامه
أدرت بصرى فى المكان
أعرف خريطته بألفه طفل قديم
على اليمين تماما توجد القاعه القديمه
ذات الكراسى المتلاصقه
المفاجأه المذهله كانت بانتظارى
القاعه قديمه وكأنها قد تم كنسها للتو
والمقاعد البلاستيكيه مصقوله
لغز جديد يفاجئنى دون انتظار
وخليط الروائح السحريه
لم يبدا العرض بعد
هكذا همست لنفسى
كانت القاعه خاليه تماما
وكأنه عرض خاص من أجلى انا وحدى
الانوار اقوى من المعتاد
ليتهم يطفئوها!!!!
أغمضت عينى
وخلال لحظه تدفقت الموسيقى المعتاده
انطفأت الانوار واحده بعد الاخرى
ثمة عتمه
وشعرت فجأه بكف تربت على كتفى
والرجل العجوز
ذى الشعر الاشيب يبتسم لى فى ثبات
ويسألنى عن النقود
وضعت يدى فى جيبى واطيته
قال لى فى ثقه:
الآن يمكنك ان تشاهد كل شىء
وبدأ الحلم الملون
ولكن ربااه...ماذا أرى؟..
لماذا يبدو كل شىء مألوفا الى ذلك الحد؟
اللقطات الاولى من منظور عالى
بيتى القديم بحجراته المتسعه
وسقفه العالى
حجرة نوم امى
الدولاب الخشبى المائل الى الحمره
والسرير العريض المريح
الذى لم أر مثله قط
أمى ترقد فى شحوب اعياء
ورائحه عطر منعش
صراخ وليد يحمله خالى فى لفافه
يلتف حوله أطفال صغار ينظرون نحوه فى فضول
وجوههم تذكرنى بملامح اشقائى
كما رأيتها فى الصور القديمه
هذا معناه ان هذا الوليد الملفوف فى ثوب ابيض
هو......هو..
أنا..!!!!!!
إنها لحظه ميلادى
بعيون متسعه رحت اشاهد ما يدور امامى
أول رضعه ومذاقها الذى
لم ازل احتفظ بها الى الآن فى فمى
وجه امى الحالم
ربااااااه كم كانت جميله
أبى يرقبنى فى سكينة من يمارس الابوّه
للمره الثالثه
مشاهد حياتى تتلاحق من الشاشه الفضيه
أصرخ من الجوع
أركل الهواء بقدماى
ابتسم فى رضا وبياض الحليب يصبغ شفتى
أزحف على الارض
امارس معجزه المشى فخورا مناديا امى
المنهمكه فى طقوس الطهو
أبكى بعد ان ضربتنى اختى التى انتزعت لعبتها
بعد دقيقه واحده كنت احوم حولها
وأتودد كى اشاركها اللعب
أول ايام الدراسه
بكاء الاطفال الجماعى
الذى تحول الى هيستيريا جماعيه
ثم تحدث الالفه
ونتعلم اغنيه جديده نرددها فى حماس
العوده من المدرسه فى الأيام الشتائيه الممطره
غروب الشتاء المبكر
وواجب الغد الذى لم ينجز بعد
رائحه حقيبه المدرسه
مشاعر المراهقه الأليمه واول فتاه احببتها
وانتظارى لها وقت خروج المدرسه
وذلك الدق البدائى فى صدرى
أيام امتحانات الثانويه العامه
الترقب والفرحه
استيقاظى مبكرا فى اول يوم جامعى
وأيامنا تكر كخيط تشدّه قطه عمياء
أتطلع فى فضول الى النهايه
وكأنها تخص رجلا آخر
كل هذه الاحداث من الماضى
فماذا تدّخر لى الايام؟!!!
هاأنا اقف أمام دار العرض المهجوره مترددا
هذه صورتى وانا ادفع الباب القديم الصدىء
واخوض اكوام القمامه
متجنبا القطط والجرذان
أدلف للدار فى تردد
كف العجوز تلتقط نقود الماضى
سوف يبدأ المستقبل فى اللمحه المقبله
لكنى اتخذ قرارى بسرعه
وأغمض عينى
توقف العرض فجأه
وبدت قاعة العرض على حقيقتها مهجوره مهدّمه
مضيت اتحسس طريقى وسط العتمة
عائدا الى عالمى الحقيقى
وانا اتنهد فى ارتياح
وأقول لنفسى:
رحل الامس بخيره وشره
وعسى ان تخبىء لى الايام
قطعه سكر
****
تحياتى