ارفض ان تتغير الصوره الذهنيه
للأستاذه"منى"فى مخيلتى
فهى كما اعتدت ان اراها دائما
امرأه متألقه
طويلة القامه
ممتلئه بعض الشىء
ملائكيه الوجه
الجميع يحترمها ويحبها
كانت الاستاذه"منى"هى معلّمة اللغه العربيه
فى مدرستى الابتدائيه
وصديقة امى الصدوق
لا يملك احد امام وجهها السمح
سوى الابتسام والاستمتاع بحضورها الدائم
الذى يشبه تيار هواء منعشا فى قيظ الصيف
عشقت هذه السيده الدافئة التفاصيل
وخصوصا احضانها الرحبه
التى كانت تلتهم جسدى الضئيل
لتمنحنى بعدا مختلفا للمشاعر
كنت صغير السن عندما
اختفت الاستاذه"منى"من المدرسه
ولم تعد تسعدنا بزياراتها المنزليه لأمى
وعندما سألت أمى عنها اجابتنى قائله:
أصابها المرض اللعين
لم تقدر سنوات عمرى القليله
على استيعاب وفهم هذه الجمله
ولكنى استقصيت الامر فعلمت انها
اصيبت بمرض يسمى سرطان الثدى
ولم تكتشف هذا المرض الا
فى مراحله المتاخره جدا
ظهرت الاستاذه منى بعد فتره فى المدرسه
وكان ظهورها حدثا غير متوقع بالمره
وبعدها ظهرت فى منزلنا ودخلت غرفه الجلوس
واغلقت امى الباب
وفى حالة تلصص من خلف شيش البلكونه
رأيت الاستاذه"منى"منهاره فى البكاء
بين ذراعى امى وهى تحكى لها
عن معلّمة الرياضيات التى استفسرت منها
عن كيفية اظهار شكل الثدى طبيعيا
بعد عملية الاستئصال
لم أفهم حينها سبب دموعها ولا طبيعة معاناتها
ولكنى كنت ادرك انها تتألم
بقيت الاستاذه"منى"لمدة سنه
تثير الاجواء من حولنا بابتسامتها
وجمالها وعطرها إلى ان اختفت مره اخرى
وطال اختفاؤها
فذهبت الى امى وأبلغتها
أنى أرغب فى زيارة الاستاذه"منى"
حاولت امى اثنائى عن الفكره
ولكن مساحه ما فى صدرى كانت تصر على رؤياها
ذهبت الى منزلها ورأيتها على فراش المرض
بعد ان تمكن المرض من عظامها
وليتنى استمعت الى نصيحة امى
فقد رأيت انسانه اخرى لا اعرفها
لا أدرى اين ذهب جمالها
ولا من أين ظهرت هذه النتوءات فى صفحة وجهها
حتى صوتها خمدت رناته التى اعتدت تالقها
رجعت الى امى وارتميت فى حضنها
وسألتها ببرائه سنوات عمرى القليله
هى وين الاستاذه منى؟!!!
كنت ابى اشوفها قبل ما تموت
لكن للاسف اللى شفتها اليوم وحده عمرى ما شفتها
وبعد عدة اشهر
رحلت من علمتنى ابجديات اللغه العربيه
وتركتنا-أنا وبناتها-فى حاله من اليتم
احسست انى فقدت ام لى
بل احسست ان اما لى قد سرقها مرض
يرفض الناس ترديد اسمه
ويكتفون بالاشاره اليه بالمرض اللعين
ما زلت احتفظ بصورتى الذهنيه القديمه لها
ما زلت على اتصال ببناتها اللاتى
كنّ يهرعن الى حضن امى فى المناسبات والاعياد
كن يستدفئن ليس من برودة الجو
ولكن من قسوة اليتم
وهائنذا اشاركهن الآن يتما بيتم
******
تحياتى