بسم الله الرحمن
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
أحبابي
مفردات تناثرت هنا وهناك حكم بالغات جمعتها وصغتها على هذا الشكل فمعضمها من منقولي وعليها حبات وألوان من قولي خذوا منها أطايبها واتركوا الزبد ولا تذهبوا بعيدا فإني أريد من الجميع وقفة صدق مع ما يرد هنا :
.
.
.
حلمت ذات مرة بأني التقيت بأحد الحكماء فسألته قائلا :
يا عماه ما أعجب ما رأيت من ابن آدم ؟!
فأجابني الحكيم متبسما :
إنهم يغرقون في التفكير بالمستقبل لدرجة تنسيهم حاظرهم الذي يعيشون , وهذا لايجعلهم يعيشون في المستقبل ولكنه يفقدهم عيش الحاضر .. وأنهم يعيشون وكأنهم لن يموتوا وإذا ماتوا نسوا وكأنهم لم يعيشوا .
قلت وهل هذا يعيبهم؟
قال : المشكلة يا بني أنهم يضيقون ذرعا بمرحلة الطفولة ويستعجلون التقدم في السن فإذا ما أصبحوا كبارا تمنوا لو يعودوا أطفالا , حتى أنهم كثيرا ما يخسرون صحتهم في جمع المال ثم ينفقون ما جمعوه من مال في محاولة استعادة ما فقدوه من صحتهم .
.
.
ثم قلت له : يا عماه نسمع دائما أن من يكبرك بساعة فهو أعلم منك بسنة أو قريبا منها فهل لك أن تمدني ببعض دروس الحياة التي يتمنى الآباء أن يتعلمها منهم أبناؤهم ؟
فابتسم أيضا وقال :
عليهم أن يتعلموا أنهم لايستطيعون إجبار الناس على حبهم , ولكنهم يستطيعون أن يجعلوا من أنفسهم شخصيات محبوبة .
وليعلموا أن ما معهم ليس أثمن مافي حياتهم لكن من معهم .
وأن ليس من الحكمة أن يقارنوا أنفسهم بالآخرين .
وأن الغني ليس من يملك الكثير لكنه من يحتاج الأقل .
وليعلموا بأن جرح مشاعر وأحاسيس شخص عزيز قد يتم في ثوان معدودة ولكن معالجة ذلك الجرح قد تدوم لسنوات عديدة لذلك من الأولى أن يعرفوا بأن الطريقة المثلى لتعلم الصفح والمغفرة هي ممارستها ولذلك لايكفي بأن يطلبوا السماح من الآخرين لأنفسهم دائما ولكن عليهم أن يسامحوا هم أيضا .
وليعلموا بأن المال قد يشتري كل شيء ولكنه لايستطيع شراء السعادة .
وليعلموا بأنه يوجد شخصين قد ينظران الى نفس الشيء ومع ذلك كل منهما يراه بخلاف الآخر .
ولعلموا بأن الله موجود ودائم وأن الصبر فضيلة كبرى قائمة في أساس كل إبداع واكتشاف وانتصار وانجاز , وأن الضمير هو الرقيب اليقظ والناقد الماهر والقاضي العادل النزيه
ولكن ليهتموا جيدا بالصمت فهو فن ينبغي إتقانه ..
.
تشعب بي العقل فلم أكن على مقدرة من استيعاب كل ما ذكر ولعلمي بأنها ربما تكون الأولى والأخيرة التي ألتقي فيها بحكيم فسارعت بالقول :
أي عماه علمني من حكمك ماينفعني ويبصرني !!
قال اسمع يا بني :
إذا استسلم المرء لانطلاقاته أطفأته الليالي فيصبح القمر غريبا في عتمة الليل المنكرة بينما يعتلي الضوء غير المتفائلين بالشفق .
واعلم أنه متى تسلل اليأس إلى أعماقنا فإنه يجره إلى طقوس التبلد ولكن الأمل يظل يراوده ويهمس في أسمعه ويشده إلى توقع شيء ما يركض به إلى بريق العودة إلى مدار التحدي .
واعلم أنك متى ما تعديت بحريتك على حريات الآخرين فإنك أناني تفتقد إلى الحضارة .
واعلم أن إعطاء الثقة لمن لايستحقها إنما هو إهدار لها .
واعلم أن لكل شيء ثمن وأغلاها هو ما ندفعه مقابل الحصول على حرياتنا كاملة .
.
.
توقفت عندها ولم أستطع الاستزاده فما دونته سيكلفني عمر حتى أستوعبه فشكرته وودعته وأنا لا أريد مفارقته وبودي لو زادني لكن الساعة كانت أقرب وأسرع من الأماني فأفقت من منامي وذلك الحكيم لم يفارق خيالي
.
لكم أطيب وأرق تحية
وفقكم الله
تــ حــ يــ ــا تــ يــ